ميكانيكا الكم: تجربة الشقين، ولغز الأشياء

ما أنت على وشك أن تقرأه، يعتبر أغرب ما توصلت له الفيزياء. شيء محير للغاية، وعجيب، وغير منطقي، ولا تفسير له حتى الآن، ويقلب كل شيء تعرفه مسبقاً رأسا على عقب. لكنه رغم هذا كله، مثبت علمياً ومن خلال التجربة

لأدخل بك الى التجربة مباشرة

تخيل لو كان لدينا لوح فيه شقين كما في الصورة هذه:

Screen Shot 2014-01-01 at 6.02.48 PM

سكبنا عليه رمل. الرمل في هذه الحالة سينفذ من خلال الشقين ويتجمع على اللوح الذي تحته في منطقتين اثنتين متقاربتين

طيب، لاحظ أننا استخدمنا رمل هنا. أي أننا استخدمنا “مادة”

تعال لنجرب الآن الضوء. لنرى كيف سيكون نفاذ “الموجة” وليس “المادة” من خلال الشقين. الضوء موجة وليس بمادة، ليس له كتله، ولا يشغل حيز من الفراغ

سيكون نفاذ الضوء بهذا الشكل الموضح في الصورة:

Screen Shot 2014-01-01 at 6.09.27 PM

لاحظ أنه توزع على عدة مناطق في اللوح وليس في منطقتين اثنتين فقط. والسبب في ذلك هي أن الطبيعة الموجية تختلف عن الطبيعة المادية. فموجة الضوء الكبيرة الصادرة من المصباح عندما تصطدم بالشق فانها تكوّن موجة جديدة أصغر منها. وطالما أنه لدينا شقين فستصدر لنا موجتين اثنتين تصدمان ببعضهما البعض في أعلى نقطة مشكلتان موجة كبيرة تتبعهما موجتين أخريتين تصطدمان ببعضهما البعض في أصغر نقطة مشكلتان موجة صغيرة تتبعهما موجتين أخريتين تصدم أعلى نقطة في الأولى بأصغر نقطة في الثانية فتلغيان بعضهما البعض.. و يستمر الأمر هكذا، حتى ينتج لنا سيل من الموجات المتتابعة لهم نقاط حدة في أماكن مختلفة تصطدم بالحائط في أماكن متفرقة على طوله كله

دعك من هذا التفصيل الآن لأنه غير مهم

المهم هنا أننا عرفنا بأن الطبيعة الموجية، تختلف عن الطبيعة المادية. لأنه لو قمنا بتمريرهما من خلال شقين، سيصطدمان في اللوح الثاني بنمطين مختلفين

طيب، لنقم بالتجربة الآن على مستوى الكم. أي على مستوى أصغر جزء في المادة. لنرجع الآن للرمل. ودعنا نجرب نفاذ أصغر جزء منه: الذرة. وسنفترض مسبقاً بأنها تنفذ من خلال الشقين بنفس النمط التي نفذ من خلالها الرمل لأنها أصغر وحدة فيه وهي التي تشكله

هنا سيحدث الشيء الغريب!

فلو جربنا ذلك وأطلقنا ذرات الرمل، واحدة تلو الأخرى، عبر الشقين، سيصطدمون باللوح الثاني بنفس النمط الذي اصطدم به الضوء، وليس نفس النمط الذي اصطدم به الرمل!! كما هو في الصورة هذه:

Screen Shot 2014-01-01 at 6.11.54 PM

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتبعثر الذرة على مستوى اللوح الثاني بطوله كاملاً الا في حال لو تصرفت كما ولو أنها موجة ودخلت من خلال الشقين الاثنين معاً في الوقت نفسه وخرجت من الجهة الأخرى منفصلة ثم اصطدمت مع نفسها كما تفعل الموجة بالضبط!!

هل أحسست بقدر الغرابة في الأمر! هذا غير معقول ولا منطقي! كيف يمكن لمادة أن تنقسم، ثم تصطدم مع نفسها!

طيب

لم نصل لأغرب شيء بعد

قام العلماء عندها بوضح جهاز كاشف فوق أحد الشقين يصدر صوت طنين عندما تمر الذرة من خلال هذا الشق، وذلك لمعرفة كم عدد الذرات التي مرت منه، وبالتالي يعرفون كذلك كم عدد الذرات التي مرت من خلال الشق الآخر، وكم عدد الذرات اللي اصطدمت خارج الشقين ولم تنفذ، في محاولة لفهم ما يحدث، كما في الصورة:

Screen Shot 2014-01-01 at 6.14.28 PM

هنا حدث أكثر الأمور غرابة وريبة، وظهر اللغز الذي لم يُفسر حتى يومنا هذا. وربما لاحظته من خلال الصورة أعلاه. بعد وضع الجهاز الكاشف، اصطدمت الذرات باللوح الثاني كما يفعل الرمل!! أي أنها تصرفت بعد مراقبتها على أنها مادة وليس موجة!!

والجهاز الكاشف بالمناسبة لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على مسارها، ولا على اصطدامها بالشق، ولا بعد عبورها منه.

مالذي يجعلها تغير من سلوكها اذاَ عند المراقبة؟! كيف علمت أنها مراقبة أساساً حتى تغير من سلوكها؟ أم أن المراقبة نفسها هو عامل مؤثر؟!

لاحظ أننا نتحدث هنا عن نتيجة لتجربة علمية ، وليس عن فكرة فلسفية

الذرة بالفعل، وبشكل مثبت تجريبياً، تتصرف كما ولو أنها موجة رغم أنها أصغر جزء في المادة. وعلاوة على ذلك، عند المراقبة ترجع وتتصرف كما ولو أنها مادة!

مالذي قد يعنيه هذا؟ عشرات من التفسيرات والظنون

مثلاً، هل يعني هذا أن كل ما حولك مما تظنه بأنه مواد، ليس الا مجرد أثير، وموجات، لا كتله لهم ولا وحيز الا عندما تنظر لهم؟ هل الأشياء غير مستقلة كما كنا نتصور؟ هل كل شيء موجود يعتمد على مشاهدتك، و وجودك يعتمد على مشاهدة غيرك لك؟

التجربة أجربت كذلك على اطلاق فوتونات الضوء واحدة تلو الأخرى، وتصرفت كما ولو أنها مادة بعد مراقبتها. هل يعني هذا أن كل شيء يحمل طبيعة موجية ومادية في الوقت نفسه، ويقرر أن يكون مادة عند المشاهدة فقط؟

هل هناك قوانين مختلفة تنطبق على مستوى الكم، أي على مستوى الأجزاء الصغيرة جداً التي تمثل المواد والموجات، من تلك التي تنطبق على المواد والموجات عندما تتشكل من تلك الأجزاء الصغيرة جداً؟

لا يوجد أي تفسير علمي مثبت حتى الآن لما حدث. لكن توجد بعض التصورات والنظريات مثل الموجة الاحتمالية ومبدأ الشك ونظرية التشابك وغيرهم. ربما أكتب عنهم في مقالة أخرى، لكن حتى ذلك الوقت، أترك لك التفكير في الأمر ومحاولة الاستنتاج بنفسك

وهذي تجربة أخرى للشقين بالفيديو وبشكل جميل وربما أكثر وضوحاً. واسم التجربة بالانجليزية double slit experiment في حال رغبت في البحث والقراءة عنها أكثر:

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

تعليق واحد على “ميكانيكا الكم: تجربة الشقين، ولغز الأشياء

  1. طبعا اول مرة اشارك او اعلق عند اي مدونة .. لكن كان لازم كلمة شكر لكل المجهودات اللي بذلتها وتبذلها في مساعدة اشخاص انت لا تعرفهم .. ولأنك مخلص جدا في تعريف الناس وترغب حقا في توعيتهم
    كل الشكر لك وان شاء الله في ميزان حسناتك .. وحبيت اقولك اني وغيري من الناس تدعو لك بظهر الغيب ..
    في امور كثيرة اجد ضالتي في مدونتك .. واجابات لأسئلة تحيرني .. فبارك الله فيك ولك كل الشكر

اترك رداً على فلسطينية إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>